مساحة إعلانية

مرافئ الذات.. وأصالة الانتماء / شذى الموسوي

 مرافئ الذات.. وأصالة الانتماء / شذى الموسوي


مرافئ الذات.. وأصالة الانتماء
​كثير من الشباب اليوم يسكنهم شعور بالشتات، وكأنهم في غربة وهم وسط ديارهم، يرفضون واقعهم ويظنون أن ذواتهم الحقيقية ضائعة في أفق بعيد خلف البحار أو الحدود. لكن الحقيقة الغائبة هي أن الذات ليست مكاناً نصل إليه، بل هي كيان نبنيه بداخلنا أينما كنا، فالبصيرة تبدأ حين يلتفت الإنسان إلى أعماقه، مصداقاً لقوله تعالى: "وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ".
​إن الاعتقاد بأن تغيير البيئة هو الشرط الوحيد لاكتشاف النفس هو وهم يبدد الطاقات، فقدرة الإنسان على الصعود تبدأ من ترتيب عالمه الداخلي وفهم رغباته وطموحاته بوضوح. أنت تستطيع أن تجد نفسك مع نفسك أولاً، من خلال معرفة ما تحب وما تصبو إليه، واضعاً لنفسك ضوابط تسمو بها، وكما قال الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام):
دَواؤُكَ فيكَ وَما تُبصِرُ ... وَدائُكَ مِنكَ وَما تَشعُرُ
أَتَزعَمُ أَنَّكَ جِرمٌ صَغيرٌ ... وَفيكَ اِنطَوى العالَمُ الأَكبَرُ
فحين تكتشف ذلك "العالم الأكبر" القابع في صدرك، ستدرك أنك قادر على تحويل واقعك الحالي إلى بيئة تناسب طموحك، بدلاً من انتظار بيئة جاهزة قد لا تأتي أبداً.
​إن قيمة المرء الحقيقية لا تقاس بالمسافات التي يقطعها هارباً، بل بالأثر الذي يتركه في أرضه وبين ناسه. وقد وجّهنا الرسول الكريم ﷺ إلى جوهر العطاء بقوله: "خَيْرُ الناسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ"، ولا يوجد من هو أحق بنفعك وعلمك ونجاحك من وطنك الذي نشأت فيه. إن من يجد في نفسه بذور التميز، فليعلم أن تربته الأولى هي الأجدر بالاحتضان، فالأصالة تقتضي أن تزهر حيث زُرعت، وكما قيل في الوفاء للأصل:
بِلادي وَإِن جارَت عَلَيَّ عَزيزَةٌ ... وَأَهلي وَإِن ضَنّوا عَلَيَّ كِرامُ
فالكنز الذي تبحث عنه ليس في أقصى الأرض، بل هو في تلك القوة الكامنة فيك، وفي عودتك الصادقة لنفسك وناسك، فهم الأصل وهم المنتهى.
شذى الموسوي

شارك المقالة عبر:

اترك تعليقا:

الاكتر شيوعا

المتابعون

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة