خــــــضـــــراء الــــــعــــــــيـــــــون
في يوم ربيعي جميل استيقظت خضراء العيون سعيدة نشيطة
كعادتها، كانت في الخامسة عشرة من عمرها، جميلة هادئة ومحبوبة. ارتدت زيها
المدرسي، وضعت كتبها على ساعدها والأقلام في قبضة يدها، لم يكن لديها محفظة
مدرسية. وعند خروجها نادت عليها أمها:
خضراء العيون تعالي تناولي فطورك.
أجابت خضراء العيون: لست بجائعة يا أمي.
كان هناك إحساس عميق بأن هذا اليوم
يحمل لها خبرًا سعيدًا. وفي طريقها إلى المدرسة كانت تتمايل فرحًا، تلامس قطرات
الندى على العشب الممتد على جانبي الطريق، وتغني أغاني صباحية لفيروز بصوت منخفض.
وصلت إلى المدرسة ودخلت القاعة، وضعت كتبها في المقعد لتتفاجأ بوجود وردة حمراء قد
وُضعت في مقعدها. فرحت، وظنت بأن أحدًا من أصدقائها قد وضعها لها. سألت خضراء
العيون أصدقاءها، ولكن كلهم أجابوا بأنهم لا يعلمون من وضع الوردة. وقعت في حيرة:
من يكون قد وضع لها الوردة؟
انتهى الدوام المدرسي، حملت كتبها
وأقلامها والورد. وفي طريقها إلى المنزل انتابها إحساس بأن أحدًا ينظر إليها وهي
تشم رائحة الوردة. التفتت خضراء العيون لترى شابًا وسيمًا ينظر إليها. استدارت
بسرعة لتكمل طريق العودة إلى المنزل بقلب يخفق ووجنتين محمرتين ترتجفان. وصلت
البيت، تناولت طعامها ودخلت غرفتها لتحل وظائفها، ولكن ذلك الشعور الذي انتابها
جعلها مرتبكة وخائفة، وفي نفس الوقت تسأل نفسها: ما هذا الشعور الذي أصابني؟ لم
تكن تعلم تفسيره. وضعت الوردة في كتابها ومرت الأيام.
وفي كل يوم كان يأتي الشاب الوسيم
ليقدم وردة لخضراء العيون. كان أكبر منها بثلاث سنوات، من قرية مجاورة لقريتها.
وفي يوم وقف أمام خضراء العيون وهي في طريق العودة إلى المنزل وقال لها:
أنا اسمي عزيز وأنا أحبك يا خضراء العيون.
تلعثمت، لم ترد عليه، وتابعت مسيرها
نحو المنزل، قلبها يدق ووجنتاها محمرتان كتفاحتين. دخلت خضراء العيون لتحل
وظائفها، لم تستطع التركيز، كانت أفكارها مشوشة وتقول لنفسها: ماذا يحصل لي؟
ومرت الأيام وزاد تعلقهما ببعض،
ليتبادلا الرسائل والهدايا والورود. ولكن خضراء العيون كانت دائمًا خائفة من
أهلها، ولكن في نفس الوقت كانت فرحة بحب عزيز لها وبحبها لعزيز بعد أن علمت أخيرًا
بأن كل المشاعر التي كانت تنتابها هي مشاعر حب. أصبحا يلتقيان بين حين وآخر،
يجلسان تحت شجرة على طريق المدرسة، وازداد تعلقهما أكثر وأكثر. وفي كل لقاء كان
يقدم لخضراء العيون وردة بلون مختلف. ولكن رغم سعادتها كانت تشعر بالخوف والقلق.
نجحت خضراء العيون في الصف الثاني
الإعدادي ولكن بعلامات أقل من السنوات السابقة، فقام الأهل بتوبيخها وضربها. غضب
عزيز عندما سمع بأن خضراء العيون قد تعرضت للضرب، وشعر بالذنب بأنه هو السبب لما
تعرضت له خضراء العيون.
انتهى العام الدراسي، لم يعد يستطيع
عزيز أن يرى خضراء العيون. فكان يأتي إلى منزل صديق له قريب من منزل خضراء العيون.
بعث لها برسالة مع أخت صديقه بأنه يريد رؤيتها. ذهبت مع صديقتها لتقابل عزيز بعد
أن طلبت الإذن من أهلها بأنها ذاهبة هي وصديقتها ليتنزها قليلًا.
وفي الطريق بدأ يتحدثان: أنا السبب
في تراجعك بدراستك، أعديني في السنة القادمة أن تجتهدي، لا أريد أن أكون السبب في
فشلك بالدراسة، أعديني.
قالت: أعدك.
تحدثا قليلًا، وقالت له: أريد العودة
قبل أن يشعر أهلي بغيابي.
نظرا لبعضهما، قال: وداعًا، انتبهي لنفسك، أنا أحبك
كثيرًا.
وبادلته خضراء العيون: وداعًا، وأنت انتبه لنفسك، أحبك.
وذهب كل منهما في طريق العودة إلى منزله.
بعد مرور شهر أرسل إليها رسالة مع
صديقه يريد لقاءها لأمر ضروري. ذهبت خضراء العيون إلى المكان الذي كانا يلتقيان
فيه، وصلا وجلسا تحت الشجرة. نظر إليها وقال: إني أرى في عينيك أجمل ألوان الحياة،
أرى السعادة والحب، كل نظرة من عينيك تجعل قلبي يطير فرحًا. إني أحبك بحجم هذا
الكون. سأخبرك بأمر، لا أريدك أن تحزني. إني مسافر إلى بلد كان يعمل أبي هناك،
يملك محلًا تجاريًا. أبي توفي منذ سنتين، والآن عمي أرسل لي رسالة بأن أسافر
لاستلام محل أبي والعمل هناك، لأني أنا الكبير في العائلة ويجب علي أن أضحي
بدراستي من أجل أن أعمل وأقدم لأهلي. إن المحل الذي تركه لي أبي أمانة، وهو
الوسيلة الوحيدة لنعتاش منه أنا وأهلي وأبني مستقبلي أنا وإخوتي. لن أغيب طويلًا،
سأجمع المال وأعود لأطلب يدك من أهلك. أريدك أن تهتمي بدراستك وبنفسك. ستبقى روحي
معك، وستبقين أنت في قلبي وعقلي ولن أنساك أبدًا. سأسافر في غضون شهر، وقبل أن
أسافر سآتي لأودعك.
ومرت الأيام والسنين، وفي يوم أتى
شاب لطلب يدها. رفضت في بادئ الأمر، ولكن بدأ الأهل والأقارب بالضغط عليها، فوافقت
وتزوجت خضراء العيون. ذهبت إلى بيت زوجها، وبعد فترة بدأت تكتشف حقيقة زوجها
وأهله. بدأوا بمعاملتها كخادمة، كان يقوم بضربها لأتفه الأسباب، ويقضي كل وقته مع
أصدقائه في المقاهي، لا يعمل ولا يقدم لها شيئًا، وهي تخدم أهله مقابل الطعام فقط.
ظلت خضراء العيون تصبر وتصبر. رزقها
الله بطفل، قالت في نفسها: لعل هذا الطفل يغير من معاملتهم لي، ولكن لا فائدة. هنا
زادت معاناتها بأنها لن تستطيع ترك ولدها، وإن تركت المنزل سيأخذون الطفل منها. لم
تحتمل أن تكون بعيدة عن ابنها، لأجله أصبحت تضحي. وبعدها رزقت ببنتين. وتوفيت
حماتها، وبعدها بسنة توفي عمه، وتزوج من ابنة عمه. وهنا لم يبقَ إلا زوجها المستبد
الذي كان يضربها أمام أولادها.
ولكن بقيت خضراء العيون مصرة على
تربية أولادها وأن تحقق بهم كل أحلامها التي لم تتحقق. واجتهدت وعانت وصبرت لسنين
حتى كبر الأولاد وحازوا على الشهادات. أصبح الولد الأكبر مهندسًا، والابنة الوسطى
دكتورة، والصغرى تقنيات حواسيب. قد أنساها نجاح أولادها كل ما مرت به من عذاب
السنين.
وفي يوم ذهبت خضراء العيون إلى السوق
لجلب بعض الحاجيات، وهناك التقت بأخت عزيز بعد طول سنين. جلسا في حديقة قريبة،
وأخذا يتبادلان الأحاديث عن حياتهم وأولادهم وعن ما مروا به. وفي سياق الحديث
تحدثت أخت عزيز عنه، لتقول لها إنه ما زال حتى الآن يحبها ولم ينساها، ولم يعد
أبدًا إلى القرية بعد رحيله من أجل خضراء العيون، وإنه قد انفصل عن زوجته منذ عشرة
أعوام لما عاناه منها ومن والدها ومن حكمهم له.
فقالت خضراء العيون لأخت عزيز: وأنا
لم أنسه يومًا، ولكن لم يكتب الله لنا نصيب أن نكون لبعض، ولم يعد للكلام فائدة،
كل شيء مضى وانتهى. ولكن الشيء الوحيد الذي لم ينتهِ هو الحب الموجود في قلب خضراء
العيون وقلب عزيز.
بقلم / Gheda A Salame / سوريا
اترك تعليقا:
