مساحة إعلانية

قصة قصيرة بعنوان:( البطريق) / ابتسام نصر الصالح .سورية

  قصة قصيرة  بعنوان:( البطريق) / ابتسام نصر الصالح .سورية


قصة قصيرة
بعنوان:( البطريق)
سارة شاردة في حلم يقظة. توقظها دقات متناغمة رشيقة على باب غرفتها.
- ادخل
يفتح الباب ويدخل قائلا: تأخرت اليوم على غير عادتك؛ غادرت العصافير حديقتنا .
- بابا، لا أعرف مالذي جعلني استغرق في نوم طويل وحين استيقظت عشت حلما جميلا .
جلس على حافة سريرها مبتسما واحتضنها قائلا: أنا باق على عهدي لأمك يا حبيبتي أن أحقق لك أحلامك وأفتدي سعادتك بكل ما أملك.
عانقت سارة والدها وقبلته. ونهضت من سريرها وخرجا معا إلى المطبخ .
اعدت سارة القهوة بينما كان والدها يجهز مائدة الإفطار.
- قهوة لذيذة ودافئة وهي ذي الأمطار تلوح لنا عبر زجاج النافذة.
- كم هو شهي الأومليت اليوم متى ستعلمني طريقتك الفريدة بتهيئة طبقي المفضل بابا الجميل ؟
- متى شئت يكون لك ذلك. لكن الآن لدي شوق لمعرفة تفاصيل حلمك .
- توصلت إلى معرفة سكان القطب المتجمد وطريقة حياتهم الغريبة جدا فهم بعيشون في بيوت من الجليد.
بابا، أريد رحلة إلى منطقة حياة الأسكيمو في القطب المتجمد الشمالي، وهذه الرحلة هي هديتي التي أطلبها منك لعيد ميلادي القادم .
-هديتك ستكون في عيد ميلادك هذا وعد مني. هل لديك تصور عن كيفية أو خطة الرحلة ؟
- أنا ليس لدي معلومات كافية جدا ولكني الآن أتواصل مع عالم جيولوجية ولا بد أنني سأصل إلى معلومات دقيقة تساعدني برسم خطة الرحلة وأنتظر منك الموافقة عليها لأنك بالتأكيد ستكون رفيق رحلتي .
- هل تريدين أن أكون رفيق رحلتك الوحيد؟
- أجل ولن أحتاج إلى أحد آخر معي .
- هذا غير آمن؛ نحتاج إلى وجود عدة أشخاص معنا لنتمكن من مواجهة أية مفاجآت تواجهنا في مكان معزول عن العالم .
- إذا علينا البحث عن مجموعة لديها شغف بحلمي ذاته ليرافقونا في رحلتنا.
- ابحثي وبالوقت ذاته أنا سأبحث كذلك.
- حسنا بابا اتفقنا.
بعد أسبوع ، مساء على مائدة العشاء أعلمت سارة والدها أنها اليوم تمكنت من لقاء مع شابين وشابتين متحمسين جدا لمشروع رحلة القطب.
- أنا تركت رسالة وجهتها للأشخاص اللذين هم في مثل عمري لأنني أحتاج أن يكون معنا من يتواءم مع تفكيري. أتمنى أن يلتحق معنا أناس يتمتعون بروح الأمل وممتلئون بالمرح.
ضحكت سارة قائلة:" كم أنا محظوظة أن لي أبا هو أنت يمنحني ثقته ويدعم طموحاتي ويملأني بالتفاؤل."
- ما رأيك أن ندعوا كل الأشخاص الذين أبدوا تفاعلهم مع مشروعك لنجتمع ونبدأ بالتخطيط للرحلة.
- حسنا.مارأيك أن يكون الاجتماع هنا في بيتنا على عشاء يوم عطلة نهاية الأسبوع؟
- موافق. موعد مناسب.
- إذا اليوم أرسل دعوة للأشخاص الذين هم من طرفي وأنت كذلك لنعرف إن كان الموعد مناسب لهم .
رنين جرس؛ هرعت سارة وفتحت الباب. أهلا بكم تفضلوا قالت سارة. دخل شابين وشابتين ؛ قدمت سارة والدها :" بابا، بطرس مهندس معماري"
تشرفنا بك قال الضيوف ثم
قدموا أنفسهم لوالد سارة : " جين مهندسة جيولوجية اختصاص تنقيب وحفر. راشيل مهندسة جيولوجية اختصاص الحيوانات المنقرضة عبر المستحاثات. مارك عالم أحياء برمائية . روني عالم أحياء بحرية . "
رحب والد سارة بهم مبتسما ودعاهم إلى شرب الشاي مع الحلوى التي خبزها بنفسه.
امتلأ البيت بأصوات مرحة وحوارات جميلة. رنات الجرس استوقفتهم .هرع بطرس إلى الباب وفتحه. قال مرحبا :" أهلا سيمون مفاجأة جميلة، اعتقدت أنك نسيت الموعد. تفضل ."
أقدم لكم سيمون عالم بيولوجي ويعمل في محمية للحيوانات النادرة . قال بطرس .
رحب الجميع به وانضم إليهم قائلا:" اعتذر عن التأخير ذلك بسبب عطل مفاجئ بسيارتي ."
بطرس قال ضاحكا:" يبدو أن هذا أول اختبار لنا جميعا لما ممكن أن يعترضنا في رحلتنا من عقبات وصعوبات .ولكن الآن عرفوا سيمون على أنفسكم. "
امتلأ سيمون غبطة بعد أن تعرف إلى مجموعة الرحلة كلها وانخرط معهم في الحوار مستمتعا بحلوى بطرس والشاي اللذيذ .
نهضت سارة قائلة الآن سنعد العشاء كلنا وكأننا هناك في القطب نتعاون ونفرح معا. قال بطرس:" انتبهوا لدينا مكونات محدودة علينا أن نعمل عشاء يكفي الجميع ويكون لذيذا وممتعا وبذات الوقت مغذيا والآن هيا إلى العمل لنكسب الوقت بتحضير عشاء مميز. وقف بطرس بجانب البراد قائلا:" ليأخذ أحدكم مني المواد ." اقترب إليه سيمون قائلا:" هات هذه مهمتي " قال بطرس:" هاك لحم عجل بعظمه. وهذه قطعة زبدة غير مهدرجة. " أخذها سيمون ووضعها على طاولة المطبخ. قالت سارة:" وهنا لدينا هذه المواد :
سبع حبات لفت أبيض، بصلة كبيرة يابسة، جرزة كرفس خضراء صغيرة؛ علبة مسامير قرنفل، جرزة كزبرة خضراء صغيرة. علبة فلفل أسود، علبة ملح. "
قال سيمون أقترح أن نفكر معا وكل واحد يعطينا فكرة لطعام العشاء وفي النهاية نعمل تصويت لأفضل خيار وننفذه فورا . ما رأيكم؟"
تناهت أصوات الجميع :"موافقون."
اجتمع الشباب مع بعضهم عبر دائرة واجتمع سيمون وبطرس معا .قليل من الوقت .
قال بطرس:" والآن يا أولاد ماهو اقتراحكم؟"
قال جاك:" اتفقنا ان نجرد لحم العجل عن العظم ونقوم بشوائه ونعمل بجانبه شوربة من عظم العجل والخضار المتوفرة ما رأيكم. "
قالت سارة:" الآن نريد سماع اقتراح العم سيمون وبابا أيضا. وبعدها نعمل التصويت."
قال سيمون:" أنا وبطرس اتفقنا على اقتراح واحد أن نعمل وجبة طعام فرنسية اسمها ( pot au fait) ."
تهامس الشباب مع بعضهم ثم تحدث روني قائلا:" اعذرونا نحن لم نعرف ما هي هذه الوجبة نريد الشرح لكيفية تحضيرها حتى نصوت ونحن نعرف وليس على أمر مجهول."
قال بطرس؛" حسنا. لتحضير هذا الطعام نقوم بتحضير سبع عروق من الكرفس الاخضر وسبع عروق من الكزبرة الخضراء ونلفها معا، نقشر رأس البصلة الكبيرة ونغرس فيه سبع مسامير من القرنفل. نقشر رؤوس اللفت ونقطعها قطعا كبيرة على شكل مكعبات"
تابع سيمون قائلا:" أولا نضع قدرا فخاريا إن وجد على النار ، نضع فيه قطع لحم العجل بعظمه ورأس البصل الذي حضرناه ونسكب فوقها الماء حتى يمتلئ القدر تقريبا نترك فقط خمسة سنتيمترات بدون ماء .بعد ربع ساعة من الوقت نضيف قطع اللفت وبعد مرور ساعة نضيف عروق الكرفس والكزبرة ثم بعد ربع ساعة نضيف الملح وحبات الفلفل الأسود وننتظر ربع ساعة ونطفئ النار . ثم يوضع القدر وسط الطاولة وتصف زبادي البلور لسكب الحساء ووعاء كبير لوضع قطع لحم العجل بعظمه .يقوم كبير العائلة بمهمة سكب الطعام للجميع لأنه طعام تراثي يقدم حسب تقاليد جميلة . "
قالت سارة :" الآن سنبدأ التصويت." وكانت النتيجة وجبة حساء لحم العجل بعظمه هي الفائزة. تعالت أصوات الفرح وبدأ الجميع العمل في تحضير المواد . لكن راشيل قالت فجأة:" لكن يا سارة هل لديكم قدرا فخاريا يتسع لهذه المواد؟"
ضحكت سارة قائلة:" تخيلي نفسك الآن ونحن جميعا معك موجودون في القطب الشمالي المتجمد ولدينا هذه المواد التي حملناها معنا من هنا ولكن ليس لدينا قدرا فخاريا فماذا تفعلين.؟"
أجابت راشيل أطهو الوجبة نفسها بأي قدر متوفر بين أيدينا ."
ضحك الجميع. قال بطرس هذا أول تحد واجهناه الآن جميعا وهو أبسط تحد يمكن أن يواجهنا خلال رحلتنا إلى القطب هيا إذا لنطهو وجبتنا في القدر الفخاري الذي هو حقيقة موجود لدينا منذ زمن بعيد حين كانت أم سارة مازالت على قيد الحياة كانت تحب هذه الوجبة وكنا نقوم بطهوها معا وهذه المرة الأولى التي نقوم بطهوها في غيابها. " ومسح دموعا سالت على وجنتيه .
ثم ابتسم قائلا هيا إلى العمل .
صارت الوجبة ناضجة وجلس الجميع إلى المائدة. نهض سيمون وقام بسكب الطعام للجميع . وعبر الشباب عن استمتاعهم بهذا العشاء وأنهم صاروا أكثر تصميما وشغفا بالرحلة إلى القطب المتجمد مهما كانت الصعوبات. تتابعت اجتماعاتهم وكل مرة كان أحد أعضاء الفريق يصر أن يدعوا الجميع إلى بيته أو إلى مطعم أو مقهى. لكن بطرس كان يقول هذه الرحلة تخص ابنتي ولذلك كل تكاليفها أنا مسؤول عنها بكل تفاصيلها وكل الاجتماعات ستكون هنا في بيتنا وإذا أردتم تغيير المكان ليس لدي أي اعتراض. اختاروا المكان ولكن اتركوا لي التكاليف. عاشت سارة ووالدها شهرا جميلا جدا وهما يحضران مع الفريق كل ما يلزمهم في رحلتهم وكانوا يسجلون بالأرقام كل شيء حضروه وتفاصيل دقيقة حول ما يمكن أن يحتاجوه في رحلتهم حتى لا يتركوا للمفاجأة أن تربكهم. حجز بطرس ثلاث طائرات. طائرة للفريق مع طبيب وممرض تطوعوا للانضمام إلى الرحلة والطائرة الثانية تحمل ثلاث تقنيين يجيدون إصلاح الطائرات وكذلك إصلاح المعدات للرحلة وحملوا معهم مواد غذائية كثيرة وقطع أخشاب جهزوها لتكون وقودا وكذلك مواقد معدنية ضخمة سميكة جدا لتكون معزولة عن الثلج والجليد أثناء إشعال الحطب فيها لطهو الطعام والتدفئة. خيام بقاعدة سميكة لتصبح الخيمة مرتفعة جدا عن الجليد ومقاومة للريح ومعزولة عن برودة الطقس. ويمكن إشعال الموقد فيها بأمان. أجهزة اتصالات فضائية وكاميرات عالية الدقة من أجل توثيق الرحلة . أغطية سميكة ودافئة وملابس عازلة للحرارة. أكياس النوم التي تحل محل الفراش والسرير. أجهزة قياس الحرارة ومعدات التمريض والفحص الطبي متوفرة مع الطبيب والممرض. شموع للإضاءة احتياط مع كشافات إضاءة مشحونة تكفي فترة الرحلة كلها. أدوات الطبخ التي محتمل يحتاجونها. علب خشبية ومعدنية كذلك احتياط من أجل أخذ عينات مما يمكن أن يحصلوا عليه من القطب المتجمد. كاميرا سينمائية ومصور متطوع في الرحلة لتصوير فيلم وثائقي. طبيب بيطري متطوع انضم إليهم ليكون مهتما بالبينغوين الذي هو شغف سارة وهو دليلها في حلمها ورحلتها. كانت الطائرات تتجهز بكل ماهو مكتوب في سجل الرحلة وكذلك بالوقود اللازم لثلاث طائرات حيث تحمله طائرة ثالثة على متنها مختص بمراقبة محركات الطائرة ووقودها. كل شيء صار معدا بشكل دقيق ومسجل في سجل الرحلة وكل واحد من أعضاء الفريق لديه نسخة من هذا السجل ولدى أعضاء كل طائرة لديهم كابتن الطائرة ومساعده ومضيفة بالإضافة لصندوق أدوية واسعافات أولية. اقترب موعد عيد ميلاد سارة، تبقى فقط أسبوع واحد .
عادت سارة من الجامعة، حضرت قهوة وجلست تشربها بجانب الموقد وهي تستمتع بأغنية تحبها. جاء والدها مبكرا على غير عادته؛ سألته سارة عن السبب فأجابها:" اليوم أخذت إجازتي السنوية من العمل وفضلت أخذ إجازة قبل أسبوع من الرحلة لأكون معك بكل تفاصيلها وتحضيراتها.
قالت سارة مبتسمة:" سررت جدا بهذا
والآن أريدك أن تعلمني سر الأومليت اللذيذ الذي تحضره لي عادة.
قال بطرس:" حسنا تعالي معي.
استمتعت سارة بأسبوع برفقة والدها في كل الأوقات فكانت أجمل أيام حياتها بعد وفاة والدتها.
وجاء موعد الرحلة وانطلقت ثلاث طائرات صوب القطب المتجمد الشمالي، وهناك تعرفت سارة إلى حياة الأسكيمو وإلى طائر البطريق واحتضنته وقامت بتلحيف البطاريق بملابس الصوف هي والشابات اللواتي معها. وتعرفت إلى صغار البطريق اللذين يبقون بعد ولادتهم في جيوب أمهاتهم التي تحتضنهم لفترة طويلة بعد الولادة لتحافظ على دفء أجسامهم الطرية. عاشت سارة مع والدها والفرق الذين رافقوهم أجمل حلم وأجمل عيد ميلاد في حياتها. استمرت رحلتهم عبر الذهاب لمدة عشرة أيام وبعد وصولهم إلى القطب عاشوا هناك لمدة سبعة أيام ثم حضروا للعودة خلال يومين وبعدها انطلقوا عائدين وتركوا كل ما كان لديهم من أدوات الطبخ والتدفئة زيادة عن حاجتهم هدية لجماعة الأسكيموا وكذلك صندوق أدوية واسعافات وملابس ومواد غذائية وخيام . وأخذوا معهم أسماكا لها طعم خاص من القطب المتجمد وكذلك بطريقين مع أطفالهما قررت سارة أن تأخذهم معها إلى حديقة الحيوانات الخاصة بمدينتها.
خلال رحلتهم كان المصور السينمائي يصور كل تفاصيل الرحلة وحتى اللحظات الحرجة حين جرحت يد سارة من شدة البرودة حين وصلوا وهي لم تكن قد ارتدت القفازات الواقية وقد اندفعت لتعانق طائر البطريق الذي تراه لأول مرة واندفع الممرض ليسعفها ويدخلها إلى الطائرة ريثما ينظف جرحها ويضمده. خلال رحلة سفرهم اضطروا للهبوط في أماكن متعددة بسبب المسافات الشاسعة التي عليهم اجتيازها فكانت الاستراحات مناسبة لاجتماع الفرق الثلاث معا ويعيشوا وقتا جميلا خاصا بهم فيحضرون مشروبات ساخنة وسندويشات يأكلونها بمتعة غريبة جدا. وفي طريق العودة كانت سارة تحتضن وأبوها البطاريق وكأنهم اطفالهم.
بعد عودتهم من رحلتهم
كان لدى سارة أجمل الذكريات وأجمل فيلم وثائقي حيث سارة وهي تطفئ شموعا مغروسة في قالب جاتو كبير على منضدة خشبية فوق الجليد وبجانبها مجموعة بطاريق ووالدها وأعضاء الفرق الثلاث وأجمل لحظة حين اقترب البطريق الكبير وأخذ يقلد سارة ويطفئ الشموع معها وعائلة من الاسكيموا تشارك سارة في عيد ميلادها. وأول من قدمت له سارة قطعة من قالب الكاتو كان البطريق القريب منها أطعمته بيدها. فما كان من بقية البطاريق إلا واقتربوا فاتحين أفواههم وحين انتهت سارة من إطعامهم لقمات الحلوى؛ اكتشف الجميع ان البطاريق التهمت قالب الكاتو ولم يتبق منه شيء . تعالت ضحكاتهم وأدخلوا المنضدة الى الخيمة وعملوا قالب حلوى جديد.
وقررت سارة أن تحتفظ بكل ماتبقى من معدات الرحلة قائلة؛" ربما ذات يوم أتبرع بها لمغامر يعلن عن رحلة إلى القطب المتجمد الشمالي.
**** بقلمي: ابتسام نصر الصالح
حمص.سورية

شارك المقالة عبر:

اترك تعليقا:

الاكتر شيوعا

المتابعون

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة