قصة قصيرة "رِحْلَةٌ نَحْوَ الْحَيَاةِ
فِي قَلْبِ مَدِينَةٍ كَبِيرَةٍ، حَيْثُ تَتَلَأْلَأُ الْأَضْوَاءُ وَتَتَعَالَى أَصْوَاتُ الْحَيَاةِ، نَشَأَ أَرْبَعَةُ أَصْدِقَاءَ فِي مَنْزِلٍ مُحَاطٍ بِحَدِيقَةٍ خَلَابَةٍ تَطِلُّ عَلَى مَجْرًى مَائِيٍّ هَادِئٍ. كَانُوا يَعِيشُونَ حَيَاةً مَلِيئَةً بِالْأَحْلَامِ وَالتَّحَدِيَّاتِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَحْمِلُ فِي قَلْبِهِ قِصَّةً مُخْتَلِفَةً.
حَسَنٌ، ذَلِكَ الشَّابُّ الَّذِي كَانَ يَفْتَقِرُ إِلَى الثِّقَةِ بِنَفْسِهِ، كَانَ يَشْعُرُ دَائِمًا بِأَنَّهُ لَيْسَ كَافِيًا، وَأَنَّ الْآخَرِينَ أَفْضَلُ مِنْهُ. لَكِنَّهُ قَرَّرَ أَنْ يُغَيِّرَ حَيَاتَهُ، بَدَأَ يَقْرَأُ الْكُتُبَ، يَحْضُرُ الدُّوَرِ، وَيَتَحَدَّثُ مَعَ الْأَشْخَاصِ الَّذِينَ يَمْتَلِكُونَ ثِقَةً عَالِيَةً بِالنَّفْسِ.
قَالَ حَسَنٌ لِنَفْسِهِ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى الْمِرْآةِ: "أَنَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَكُونَ أَفْضَلَ، أَنَا أَسْتَحِقُّ أَنْ أَكُونَ سَعِيدًا".
حَسْنَاءُ، تِلْكَ الْفَتَاةُ الْمُتَمَيِّزَةُ بِمَوَاهِبِهَا الْفَنِيَّةِ، كَانَتْ تَرْسُمُ لَوْحَاتٍ تَجْذِبُ الْأَنْظَارَ. كَانَتْ تَقُولُ دَائِمًا: "أَنَا مُتَمَيِّزَةٌ بِمَا لَدِيَ مِنْ صِفَاتٍ وَقُدُرَاتٍ، وَأَنَا أَقْبَلُ نَفْسِي كَمَا هِيَ".
قَالَ مُحْسِنٌ وَهُوَ يَتَصَفَّحُ أَعْمَالَهَا الْفَنِيَّةَ: "حَسْنَاءُ، لَوْحَاتُكِ رَائِعَةٌ، أَنْتِ فَنَّانَةٌ مُبْدِعَةٌ".
رَدَّتْ حَسْنَاءُ بِابْتِسَامَةٍ: "شُكْرًا، مُحْسِنُ، أَنْتَ دَائِمًا تُدْعِمُنِي".
مُحْسِنٌ، الَّذِي كَانَ يُعَانِي مِنْ الْخَجَلِ وَالْخَوْفِ مِنْ التَّقَرُّبِ مِنْ الْآخَرِينَ، بَدَأَ رِحْلَةَ التَّغْيِيرِ. بَدَأَ بِالتَّحَدُّثِ مَعَ أَصْدِقَائِهِ وَمُقَرَّبِيهِ، وَبَدَأَ يُشَارِكُهُمْ مَشَاعِرَهُ وَأَفْكَارَهُ.
قَالَ مُحْسِنٌ وَهُوَ يُشَارِكُ فِي نَشَاطٍ اجْتِمَاعِيٍّ: "أَنَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَكُونَ نَفْسِي، وَأَنَا أَسْتَحِقُّ أَنْ أَكُونَ سَعِيدًا".
وَحُسَيْنٌ، الَّذِي كَانَ يُعَانِي مِنْ الضَّغْطِ الاجْتِمَاعِيِّ وَالرَّغْبَةِ فِي إِرْضَاءِ الْجَمِيعِ، تَلَقَّى خَبَرًا مُفَاجِئًا بِأَنَّ لَدَيْهِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ فَقَطْ مِنْ الْعُمْرِ. شَعَرَ بِالصَّدْمَةِ وَالْخَوْفِ، لَكِنَّهُ قَرَّرَ أَنْ يُعِيدَ تَقْيِيمَ حَيَاتِهِ.
سَأَلَ حُسَيْنٌ نَفْسَهُ: "إِذَا بَقِيَتْ لِي ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ فِي حَيَاتِي، كَيْفَ أُرِيدُ أَنْ أَعِيشَ هَذِهِ الشُّهُورَ؟ مَا هُوَ أَهَمُّ شَيْءٍ فِي حَيَاتِي؟ مَنْ هُمْ أَهَمُّ النَّاسِ فِي حَيَاتِي؟"
أَدْرَكَ حُسَيْنٌ أَنَّ أَهَمَّ شَيْءٍ فِي حَيَاتِهِ هُوَ قَضَاءُ الْوَقْتِ مَعَ أُسْرَتِهِ وَأَصْدِقَائِهِ، وَأَنْ يَفْعَلَ الْأَشْيَاءَ الَّتِي يُحِبُّهَا. قَرَّرَ أَنْ يَتْرُكَ عَمَلَهُ وَيَذْهَبَ فِي رِحْلَةٍ حَوْلَ الْعَالَمِ، وَأَنْ يَقْضِيَ وَقْتًا مَعَ الْأَشْخَاصِ الَّذِينَ يُحِبُّهُمْ.
مَعَ مَرُورِ الْوَقْتِ، بَدَأَ حَسَنٌ يَشْعُرُ بِتَغْيِيرٍ دَاخِلِيٍّ. أَصْبَحَ أَكْثَرَ ثِقَةً بِنَفْسِهِ، وَأَكْثَرَ تَقْدِيرًا لِذَاتِهِ. بَدَأَ يُشَارِكُ فِي الْأَنْشِطَةِ الاجْتِمَاعِيَّةِ، وَتَحَدَّثَ أَمَامَ الْجُمْهُورِ بِكُلِّ سُهُولَةٍ.
قَالَتْ حَسْنَاءُ وَهِيَ تَضْحَكُ: "أَنَا فَخُورَةٌ بِكَ، حَسَنُ".
رَدَّ حَسَنٌ بِابْتِسَامَةٍ: "شُكْرًا، حَسْنَاءُ، أَنْتِ دَائِمًا تُدْعِمِينِي".
فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ، قَرَّرَ الْأَصْدِقَاءُ الْأَرْبَعَةُ أَنْ يَجْتَمِعُوا فِي الْحَدِيقَةِ الَّتِي كَانَتْ تَجْمَعُهُمْ. جَلَسُوا عَلَى الْحَشَائِشِ الْخَضْرَاءِ، يَتَحَدَّثُونَ عَنْ حَيَاتِهِمْ الْجَدِيدَةِ.
قَالَ مُحْسِنٌ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ: "الْحَيَاةُ جَمِيلَةٌ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟"
رَدَّ حُسَيْنٌ وَهُوَ يَبْتَسِمُ: "نَعَمْ، الْحَيَاةُ جَمِيلَةٌ عِنْدَمَا تَعِيشُهَا كَمَا تُرِيدُ".
وَفَجْأَةً، سَمِعُوا صَوْتًا قَادِمًا مِنْ السَّمَاءِ. نَظَرَ الْأَصْدِقَاءُ إِلَى الْأَعْلَى، فَشَاهَدُوا طَائِرَةً وَرَقِيَّةً تَحْلِقُ فِي الْهَوَاءِ، تَحْمِلُ رِسَالَةً مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا: "عِشْ حَيَاتَكَ كَمَا تُرِيدُ".
نَظَرَ الْأَصْدِقَاءُ إِلَى بَعْضِهِمْ الْبَعْضِ، وَابْتَسَمُوا. عَرَفُوا أَنَّ الْحَيَاةَ هِيَ اخْتِيَارٌ، وَأَنَّهُمْ اخْتَارُوا أَنْ يَعِيشُوهَا بِسَعَادَةٍ وَثِقَةٍ.
وَبَعْدَ أَنْ عَاشُوا حَيَاةً مَلِيئَةً بِالسَّعَادَةِ وَالنَّجَاحِ، قَرَّرُوا أَنْ يُؤَسِّسُوا جَمْعِيَّةً خَيْرِيَّةً لِمُسَاعِدَةِ الْفُقَرَاءِ وَالْمُحْتَاجِينَ.
-----------------------------------------------
بقلمى/ عادل عطيه سعده
جمهورية مصر العربية
اترك تعليقا:
