مساحة إعلانية

رحـلة استكشاف/ التحلـــــيق في فضاء الروح/ يكتبها د. عبدالحبيب الصلوي

 رحـلة استكشاف/  التحلـــــيق في فضاء الروح/ يكتبها د. عبدالحبيب الصلوي 



ليست المشكلة في ضجيج الحياة من حولنا، ولا في طبقات الغبار التي غطت على اعيننا و تراكمت على مرايا أرواحنا، بل في تلك القوالب الجامدة التي صُبّت فيها عقولنا منذ زمن، فأقنعتنا بأن الدوران في حلقةٍ مفرغة نوعٌ من الاتزان، وأن البقاء على عتبات الأمس حكمة، وأن التأخر هدوء، وأن المراوحة في المكان نوعٌ من الرضا، وهكذا، مرّت علينا أيامٌ كثيرة لا تختلف عن بعضها، وتضع على اعيننا طبقة بلاك سميكة تضيع فيها ألوان المعنى، حتى صرنا — دون أن نشعر — نجرّ أقدامنا في طريقٍ لا يفضي لشيء، ننتظر المصادفة كما ينتظر العطشان غيمةً لا تنوي الهطول.
لقد حُشيت العقول بأفكارٍ وصبت كقوالب ذهنية ، سُكبت فيها سكبًا ووضعت كمساحيق تجميل تبدو براقة أول النهار، ثم تنكشف حقيقتها عند أول لقاء حقيقي بالضوء. فكم من مهاراتٍ غُيّبت؟ وكم من طاقاتٍ قُيّدت؟ وكم من شعلة أُطفئت لأننا أُقنعنا بأن الحركة مخاطرة، وأن الانطلاق تهوّر، وأن الإبداع مغامرة لا تُناسب “أمثالنا”!
لكن الحقيقة — وقد آن لها أن تقول كلمتها — أنّ السكون موتٌ سريري، وأنّ البقاء في الحضن البارد للأفكار القديمة هو خنق بطيء للروح، وأن كل محاولة للتحسن لا تبدأ بالخروج من الثبات، محكومٌ عليها أن تبقى كلامًا مُعلّقًا في الهواء.
فالكون لا يمنح أسراره إلا لمن يطرق باب المعنى بقوة، ولا يكشف كنوزه إلا لمن يغامر داخل ذاته ويُعيد ترتيب أفكاره، ويكسر القوالب التي كبّلته زمناً.
فالطاقات الإيجابية في داخل الإنسان ليست مجرد دفعة عابرة من الحماسة؛ بل كتلة ضوء تنتظر أن نزيح عنها الغبار. نمتلك قدرة جبّارة على التغيير، لكننا نتردد، كأننا ننتظر إشارة سماوية أو يدًا خفية تدفعنا. وما من شيء يهزم الإنسان كما تهزمه قناعته بأنه “غير جاهز”، أو “غير قادر”، أو أنه سيبدأ “حين تتحسن الظروف”.فالظروف_يا صاحبي_لا تُصنع نحن من يصنعها،
والطرق لا تنفتح، نحن من يشق لها ممرًا، والأبواب لا تتسع، نحن من يدفعها لتلين وتستجيب.
وما دامت الروح تتحرك والعقول تفكر وتبدع ، فثمة بداية جديدة…
وما دامت الشرارة الأولى تلمع، فثمة نار تنتظر أن تُبعث.ونحن في مثل هكذا توهج ، نحتاج إلى روح تحدث ترددًا وذبذبة، تمشي معنا بخطى لا تخون الإيقاع، تفهم الصمت قبل الكلمات. تميل سرًا ناحية الضوء، وتمتلك القدرة الخفية على أن تضيف للخطوة معناها، وللبحر مجراه، وللسعي صوته.كالموج الذي يعرف شاطئه يحدث فيه مدا وجزرا وفقا لهيجان البحر، إننا — في هذا المسير — نحتاج لروحٍ تصحبنا طول الطريق ، لا تلتفت خلفها، ولا تنشغل بضجيج العابرين، ولا تغريها الموانئ التي تُلوّح من بعيد كأنها فرص. أعرف أن البوصلة، تشير دائمًا نحو الهدف والوجهة التى نصبو الوصول اليها فرغم تلاطم الامواج وضباب الرؤية واشتداد الرياح لكن تبق البوصلة تشير الى الهدف دوما،
فالمجرّة واسعة، لكن بعض النجوم خُلقت لتدور في مدار واحد، وتسبح في فضاء واحد، وتلمع بالاتجاه ذاته دون اتفاق، دون وعد، ودون أن يُكتشف سرُّ جاذبيتها سوى بالحدس.كذلك الإبداع ليس هدية، بل رد فعل.رد فعل على لحظة صدق… على خفقة إعجاب… على كلمة حقيقية… على وجودٍ يشعرنا أن الطريق ليس وحيدًا. وحين يشعر الإنسان بهذا النوع من الوجود، ينهض داخله شيء يشبه البعث:
تنقشع الضبابات، تتوهج الأفكار، تُولد جُمل جديدة لم يعرف أنه قادر على صياغتها، وتنفتح في الدماغ بوابات من الدهشة، كأن العالم كان ينتظر تلك اللحظة تحديدًا لينهض هو الآخر.إن الروح حين تسبح في فضاء صادق، يصبح أقرب إلى عاصفة نور تفجر المواهب وتحثّ الخطى وتُخرج من الأعماق ما كان نائمًا، وتربط بين الأرواح بخيط غير مرئي، يلمحه من عُنيَ به وإن لم يُسمَّه صراحةً.نحن لا نحتاج للحظ كي نتغير؛ نحتاج أن نؤمن أن في داخلنا بذرة قادرة على ابتلاع كل هذا العتم.ولا نحتاج لمن يدفعنا؛ نحتاج فقط لروح لا يخذل الإيقاع، ولا يغيّر اتجاهه رغم الرياح والعواصف، ولا يتوقف في منتصف الطريق لتلتفت لمن يؤخرنا عن السير، روح خُلقت لتسير معنا، رغم طول المسافه وبعد الطريق



شارك المقالة عبر:

اترك تعليقا:

الاكتر شيوعا

المتابعون

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة