الضياع
كانت يافعة العود، جميلة المحيّا، تلاحقها النظرات في الذهاب والإياب.
وكان جمالها الأخّاذ حديث كل من يعرفها؛ نهال، فتاة عشرينية في مقتبل العمر.
غرّتها الابتسامات والكلام المعسول، وصدّقت أن طابور المعجبين ليس إلا أزواجًا بالحلال يتمنّون رضاها.
زاد الطين بلّة غرورٌ استشرى في روحها، فتطاول على الجميع، وحلُم بالثراء والسيارات، وآمنت بأن مكانها بين الأكابر، ولم يعد يرضيها شبّان الحي ولا مقاعد الثانوية.
هكذا سرقتها الأضواء، وتعرّفت على مستويات أعلى، ظنّت للوهلة الأولى أنّها وجدت فيهم ضالّتها.
ذابت في حياة جديدة، تتلقفها سماسرة لحم البشر، بين وعود كاذبة وأحلام لن تتحقق.
سرقتها المتعة الزائفة والشهرة الفاقعة.
التقت به…
كان من ذوي النفوذ.
حقق لها ما تمنّت، أغواها بقصر سندريلا، ومجوهرات شوبارد، وأغلى العطور.
ألفت الحياة البورجوازية، وأدمنت البذخ، فلم تعد تطلب الزواج خوفًا من انهيار ما بنته من وهم.
ثم وجدت نفسها ذات يوم بلا هوية… بلا عنوان.
ضاع العمر، وضاع الشباب، وتبعثرت الأمنيات.
الضياع الذي عرفته نهال كان اختيارًا قاسيًا.
أعياها البحث عن نفسها، فلم تعد تذكر منها إلا البداية المرّة، حين كانت مضغة سائغة أُلقيت لسباع البشر فنهشوها بلا رحمة.
فما بين سنّ الأنوثة وفتنتها، وسنّ اليأس ورذالته، كمنت الحكاية المُرّة.
كانت عقارب الساعة تمضي ببطء قاتل، تذكّرها بكل ما مرّ بها، وتعجز عن إذابة تلك اللحظات البائسة.
الماضي الذي حاولت الهرب منه وقف لها بالمرصاد، وأبى إلا أن يُعاد من جديد.
وكما يقولون في بلادنا:
الفقير لا يستطيع الحب، لأن الأغنياء اشتروا القلوب وبعثروا محتوياتها.
ولكل الرجال الذين يتفاخرون برجولتهم:
اصمتوا…
لا تتحدثوا عن الرجولة وأنتم غارقون في وحل الاستغلال، وتحت أمطار الزيف.
فعما قريب لن تجدوها، وسيردّ لكم الصاع صاعين…
إما في ابنتكم،
أو أختكم،
أو زوجتكم.
بقلم : حليمة نور الدهيري
اترك تعليقا:
